الهندسة والفنون
مع باقة ورد عطرة منتدى الهندسة والفنون يرحب بكم ويدعوكم للإنضمام الينا

د.م. أنوار صفار






الهندسة والفنون

 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  التسجيلالتسجيل    دخولدخول          

شاطر | 
 

 رواية قيامة العنقاء , دراسة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عثمان محمد
نائب المديرة
نائب المديرة


الجدي
تاريخ التسجيل : 22/12/2011
العمر : 34
البلد /المدينة : فلسطين

بطاقة الشخصية
المجلة: 0

مُساهمةموضوع: رواية قيامة العنقاء , دراسة    3/21/2012, 18:54

هل هي ملحمة، أم رواية، أسطورة أو قصة، تاريخ أو فانتازيا..؟!
هذا ما يصعب تحديده، حتى بعد قراءة العمل الأدبي الرائع للكاتبة توفيقة خضور، والموسوم بـ (قيامة العنقاء) وربما تناسى الناشر( اتحاد الكتاب العرب) عامداً مشكوراً أن يذكر جنسه الأدبي على غلافه، أو في صفحاته الداخلية، ليترك للقارئ لذة الاكتشاف،أو حريته..
لنقل إنها رواية تُعيد برمزيةٍ متفوّقة كتابة تاريخ الوطن على جسد الحب النّابض، الفيّاض للناس والأرض وللتاريخ ذاته أيضاً..
فلم يتحدّث أحدٌ بهذه السهولة المُقترنة بالفهم العميق للفترة الممتدة من أربعينات القرن العشرين وحتى الثمانينات منه، كما رسمتها لنا الكاتبة في روايتها قيامة العنقاء، التي أعتبرها عملاً فوق روائي.. فهي تأريخٌ مكتوبٌ بريشة فنّانةٍ مبدعة،استطاعت أن ترسم لنا أربعة عقودٍ من مسيرة بلادنا، بألوانٍ أخاذةٍ أحياناً، وشفافةٍ غالباً.. وعلى مسافة ثلاثة أجيالٍ.. وكأن التاريخ سلالة.. فقد وضعت الكاتبة مرآتها الحاذقة أمام مسيرة بلادنا منذ ما قبل الاستقلال، وحتى قيامة العنقاء.. ولست متأكداً أن الكاتبة تقصد بالقيامة حرب تشرين التحريرية، أو هذه النهضة الحضارية الشاملة التي تشهدها سورية، رغم بعض الانكسارات هنا وهناك.. فالمرآة ليست خالية تماماً من بعض الغبار..
لقد فاجأتني الكاتبة بوعيها الدقيق لتلك المرحلة الموسومة بالضعف والانكسار، ولا سيما أن النكسة في حزيران كانت أبرز معالمها، فرسمت أبطالاً محطّمين مهزومين، لا يملكون قراراً، ولم أكن لأفاجأ لو أن الكاتبة استمرت حتى النهاية في تكريس روح العبث والهزيمة في روايتها، فقد تعوّدنا على هذه النّغمة في أدبنا، وفنوننا على مدى نصف القرن الماضي.. إلا أن الكاتبة ـ وهذا ما أعاد إليّ الثقة بانبعاث أدبنا الروائي كعنقائها ـ امتلكت رؤيا ثاقبة، ثائرة على واقع الانهزام، الذي يحاول الكثيرون تكريسه في عقولنا، وعلى أفواه أقلامنا.. فلم يكن لليأس مكانٌ في لوحتها، رغم غلبة اللون الأحمر، الدمن الموت، على مساحتها.. فعساف الذي هو مؤسس سلالة التاريخ المهزوم، مات بلسعة أفعى وهو يقوم بواجب التنكيل بالفلاحين.. لكنه ميتٌ حيّ.. حضوره دائم على مساحة الرواية كلها، إنه الماضي بكل ثقله، والذي يرفض أن يُُقتلع من نفوسنا، ولا يبرح جاثماً على كواهلنا.. عساف هذا جاء (العنقاء) يوم كانت ترزح تحت وطأة الاحتلال، فامتصّ دمها، وتعاون مع المحتل على إذلالها.. فكان عيناً لهم على أهلها.. وياً تشدّ على أيديهم في نهب ثرواتها.. ومسح تراثها.. حتى حوّلها من العنقاء إلى المسكينة اسماً وفعلاً..
لم تندفع الكاتبة كثيراً وراء النموذج في شخصية عساف، رغم براعتها في انتقاء الاسم ومناسبته لمقاس الشخصية، لتثبت لنا ومن وراء الكلمات أنه نموذجٌ للمراوغة والخداع.. حتى أنه يختبئ وراء الموت نفسه.. ويبقى موجوداً على مساحة الرواية كلها، وإمعاناً من الكاتبة في إبداعها، جعلت من عساف شبحاً، لا ينفك يطارد حفيده، عفريتاً حقيقياً، يعبر الجدران، ويخترق السقوف، يظهر من لوحة الرسم، أو يطلع من سلّة المهملات..
وينجح عساف في كل شيء إلا في بناء سلالة تشبهه، فابنه الأكبر مالك رفض تعصبه، فأحب وتزوج فتاةً من غير عرقه ودينه،وكذلك تجعل الكاتبة من شخصية مالك هذا بطلاً أو أنموذجاً، لأن العصر الذي يمثله ليس بطلاً.. إنه مجرد حالة رمادية، لا تملك قرارها.. فقد انتهى ميتاً، مخموراً في سراب البحث عن عشقٍ مفقود، بعيداً عن (العنقاء) وكأنها نبذته لتردده، رغم رفضه لسيرة عساف والده، وازدراء كل ما كان يجلّه، مات مالك الرّماديّ هناك في السفح والصبح الأزرقين.. مهشّماً وسكراناً، ليس بعيداً عن قبر حبيبته ظبية، ودون أن يصل إلى بيت عاشقته شهلا..
لا البراح ولا المستراح إذاً.. لكنه ترك فينا ابنه (الغريب) ولهذا قصة أخرى، سنأتي عليها، فمالكٌ إذاً لا يمثل هويتنا الوطنية، أو شخصيتنا التاريخية في تلك الحقبة،رغم التشابه الكبير بينهما.. فهناك مايزال الصهيل.. وهذا ما وعته الكاتبة بعمق، فرسمت شخصية صلاح ابن عساف الثاني، الذي لم يكن رفضه لتعسف أبيه وتسلطه رمادياً كأخيه مالك، بل كان أحمر كوردة نار..فقد قاد حصانه وبندقيته وبعض المال، حصّته من ميراث التعصب الغبيّ لأبيه، وتطوّع مع المجاهدين في فلسطين، وبقي هناك شهيداً، ومازال حصانه يرمح بشموخٍ حول قبره.. كأن العزّة ترفض مفارقة الفداء.. لكن الصهيل عاد يسكن العنقاء.. وأطلق عساف رصاصةً على المزراب، الذي كان يبكي بقطراتٍ تقرع البلاط، كوقع سنابك الحصان المفجوع.. الذي عاد في خيال أم صلاح، بسرجٍ فارغٍ إلا من الدم.. دم الفداء.. وحتى بعد أن قتل عساف المزراب رمز الخير، مازالت تسمع، وتؤكد أن الصهيل قد عاد.. إذن هذه هي بلادنا، سوريا، عنقاء توفيقة، في أربعينات القرن الماضي، لم تكن كلها مالك المتردد الرمادي.. تتلاعب فيها رياح الصراعات بأيدي القوى العظمى أو الإقليمية، فتضيع في مجاهل الانقلابات، بل كانت أيضاً (صلاح) المجاهد البطل، الذي ترك امرأته حاملاً، ومضى ليستشهد فداءً لجزءٍ آخر من أرض بلاده العنقاء.. وعاد إلى أهله وزوجه روحاً طافحةً في الصهيل..
(أذكر يوم قتلوا أمي..! يومها ولدتُ.. كانت الريح تنزل من الجبال، والغيوم تنتظر الزمن الطيب الذي يجعلها تهبط إلى الوادي، وتترك السماء خاويةً..)
بهذا التألق تروي الكاتبة قصة ولادة بطلها غريب، وعلى لسانه شخصياً.. وهو يمثل الجيل الثالث من السلالة العسافية..غريب لأنه مولود في الرفض، والنفي خارج العنقاء، غريب لأنه ابن الرمادي مالك، وغريبٌ أيضاً لأنه ابن ظبية، العنقاء الشهيدة، التي ولدته لحظة موتها.. دفاعاً عن حبها.. لكن امرأةً أخرى هي العاشقة المتيممة شهلا، تكرس نفسها لتربيته، ولعشق أبيه العصيّ على المنال، مالك الذي بقي رغم معاشرته جميع من استطاع من النساء وفيّاً لطيف وحب ظبية، التي تزوجها رغماً عن العساف والده ـ ولتسمح لي الكاتبة بهذا التعريف ـ بل إنه عاشر كل تلك النساء باحثاً فيهن عن ظبية، ولو أنه وجد الكثير منها في شهلا، التي احتضنت ابنه الغريب، الغريب إذن لأنه ابن شهلا العاشقة المجنونة لاحقاً، ابن الضياع، ضياع أبيه، جيل الأربعينات والخمسينات، وضياع دم أمه ظبية، وضياع مشاعر أمه شهلا، التي ربته صغيراً على أسوار عشقها لوالده الضائع أيضاً، مالك الرمادي كما أسلفت.. إنها محاولة جديدة لإيجاد نموذج مثالي، أقصد بطل روائي غير مصنوع سابقاً.. فغريب هذا لا ينتمي لجنس البطل الشرقي العمومي، المتأمّل على انفراد.. وهو أيضاً ليس تقليداً للنماذج الغربية، أو المستوردة، إنه نموذج خاص بالكاتبة، ابتدعته كانقلاب حقيقي صادق كل الصدق كأنموذج لأبطال تلك الحقبة.. أقول. أبطال على الصعيد الأدبي، الفني فقط، وهكذا نجد أنفسنا أمام شكل جديد من الأبطال الروائيين فنياً، المملوئين بالطيبة القاسية الفاعلة..
غريب هذا بطل توفيقة لا يحب أن يشبهنا، بل نحن ربما نحلم أن نكون تقليداً له، نشعل نار القيامة، في كل التصاوير المزيفة للماضي.
العنقاء إذن لا تنتمي أبداً للنموذج الغربي المتعصب، رغم كل محاولات عساف، وسادته المحتلين لها.. إنها البلاد التي يبارك الله فيها زواج شابٍ مسلم من صبيةٍ مسيحية، على هدي صليبها في ليلة العرس، وقبولها به على سنّة الله ورسوله، وعلى فاتحةٍ يقرؤها شيخ مسلم..
( وصل الشابان بيت الشيخ أحمد.. وعندما بدأ الشيخ إجراءات عقد القران، لاحظ أن الفتاة، تحاول بارتباكٍ إخفاء صليبٍ كان يزين عنقها،قال لها:
دعيه يا بنتي.. لا عليك..
لكنها انتزعته من جيدها، ووضعته في يد مالك، وهي تردّد وراء الشيخ:
ـ نعم قبلتُ به زوجاً على سنّة الله ورسوله..
سرى الدفء في أوصال مالك، فشدّ يده على الصليب، مستشعراً حرارة عنق حبيبته، التي ماتزال مكنونةً فيه.. )
وهكذا لو أمعنّا النظر لوجدنا أن الكاتبة قد ابتدعت نموذجاً آخر جديداً، يتمتّع بحيوية عجيبة، بتبسيط بالغ، ومقدارٍ كبير من الحقيقة الإنسانية، التي تشبهنا جميعاً، أو تشبه رغباتنا في توقنا للارتقاء وليس أفعالنا..
لقد ابتدعته دون محاولة منها كعادة الأدباء لجعله قالباً، فهي لا ترغب أبداً بجعلنا نحرق العنقاء كما فعل بطلها غريب.. على الأقل هذا ما يبدو لي.. ولمن سيقرأ هذا العمل أن يختار ما يشاء.
الغريب بطل توفيقة خضور، كان يرسم لنا انكساراً للنموذج.. إنه ليس دون كيشوت أبداً، ولا بطل دوستوفسكي الأبله.. إنه يعي تماماً ما يريد فعله، كما أنه ليس زوربا قطعاً.. فزوربا يتبنّى حريةً فردية، وعبثية أحياناً، بينما ذهب الغريب بعيداً، إلى درجة إحراق ماضٍ فاسد، متعفّن، ليضمن قيامةً شاملة، دون اكتراث منه باحتراقه شخصياً..
ولمن قد يظن أن الغريب أحرق (المسكينة ـ العنقاء) بفعل عبثيّ أقول لا، حتماً.. فهو يعرف قريته العنقاء ويحبها، بقدر احتقاره لاستكانتها، وكل مسعاه أن يصل إليها، إنها أمه التي لم يرها، لكنه رسم صورتها فجاءت كالعذراء أم المسيح.. نسأل هنا: هل حمل غريب صليبه ومشى على جلجلته كابن مريم..؟!
ندع هذا لنقول: إن الغريب أمضى حياته يبحث في أثداء عشيقاته عن قطرة حليبٍ، لم يُقدّر له أن يرضعها من ثدي أمه.. فهل أحرق العنقاء، أمه لتمطر أثداء الفردوس له ولجيله الغريب التائه هو أيضاً حليباً وعسلاً..؟ّ
كما تقول الكاتبة..؟ لن أقول ربما، لأني أكيد من ذلك، فالغريب لم يحرق وطنه، ليتمتّع بأبّهة الحريق كما فعل نيرون، بل ليغسله من أدران الماضي، ويُطهّره من الدنس الذي لوّثته به خيانة جدّه العساف..
ولا أحسّ حرجاً إذا قلتُ: إن الكاتبة جعلتني أحب بطلها ـ وسوف يشترك معي الكثيرون في هذا الحب ـ بقدر ما جعلتني أكره جده عساف كرهَ غريب له.. فقد نجحت الكاتبة بجعلنا نحب ونكره النماذج التي قدمتها، كما تريد وربما تملّكتنا ذات الرغبة بإحراق ماضينا، وقد نكون هممنا بذلك..!
ويحضرني هناـ ولا ادري لماذا ـ (الجنرال) بطل ماركيز مئة عام من العزلة، فأجد نفسي أعقد موازنة عاجلة بينه وبين الغريب بطل قيامة العنقاء: ذاك، أقصد الجنرال منكفئ في جنونٍ صامت، يجترّ الماضي كطرازات الألعاب الصغيرة التي يكررها مشغله الضيق..تماماً كضيق الأفق الذي لن يعاود الانفتاح أمامه أبداً.. بينما بطل توفيقة خضور يقلب الكرسي تماماً، فيحرق ماضيه كله، برفضٍ مطلق للواقع.. لكنه الرفض الواعي الهادف لفتح آفاق المستقبل.. ذاك يحترم ماضيه ويجتره، ويحاول تكريسه، كما يُتقن تكرار الطراز في الأسماك المعدنية التي يعاود الشغل عليها، لتبيعها الخالات للسيّاح على أنها إنجازه.. بينما يحرق الغريب كل شيء، حتى شبح أبيه وأمه وجده، كي تتجدّد الأشياء، ويتغير الطراز.. وتكون القيامة التي تحوّل قريته( رمز الوطن) من المسكينة إلى العنقاء.
فهذه الرواية إذن لا تنتمي لمدرسة بذاتها.. فهل تحاول الكاتبة أن ترسم لنا معالم مدرسةٍ جديدة..؟ وهل نحن عبيد التصنيف، لماذا نفرض على الكاتبة موضعاً محدّداً نقيدها داخله، وهي التي فتحت لنا بروعةٍ باذخةٍ آفاقاً إضافية في خيالاتنا، بل وعواطفنا أيضاً..؟!
وإذا أتينا إلى الأسماء، سنجد أن الكاتبة قد نجحت في اختيارها، لتأتي مفصّلةً على قياس أصحابها وأزمانهم.. فكم هو عسافٌ زمن الاحتلال، وكم هو طاغٍ في حياتنا.. ألم تخرج لنا رواسبه من الجدران، وشقوق الأبواب والأنفس، من لوحاتنا ومجمل أعمالنا.. كما كان شبح عساف يخرج لحفيده..؟ وكم هو (مالك) ضائع، لا يعي ما يملكه زمن الإقطاع في سوريا.. ثم كم هو غريبٌ جيل الستينات من القرن العشرين.. لم يكن يُتقن عملاً، بل إنه لا يستطيع القيام بأي عملٍ سوى التطلّع إلى المستقبل بخوفٍ وتردد.. ومن ثم النظر إلى الماضي بكراهية، تجعله يعود لحرقه، كأن المستقبل لن يأتي إلا على أجنحة النار.. فهل يكون جيل غريب هو من صنع نكسة حزيران، كالنار التي تحرقنا لتُطهّرنا.. حتى تقوم من رمادها العنقاء..؟! ونكون جميعاً عنصرا واحداًً منتصراً.. إنها نار التوحيد نار القيامة.. قيامة سوريا بلادنا المجيدة..
يمكنني المضي أكثر في تحليل شخصية الغريب، الذي أمضى شطراً هاماً من حياته، متأرجحاً بين التدين والإلحاد، ضائعاً بين عدة أحزابٍ سياسية، لم يستطع أيّ منها أن يملكهُ تماماً.. باحثاً في أجساد النساء عن أم تكون وطناً وحبيبة، أو حبيبةٍ تكون أماً ولبناً، عسلاً وماء..! وأظن أن القيامة قد بدأت داخله، قبل أن يفجّرها بحرقه لقريته وقصر جده، بدأت قيامة روحه يوم غادر القرية هارباً من متاهة السجون المُحبّة، لأهلٍ خنقته محبّتهم الشوهاء( حرقني كلسك يا خالي، حتى كادت المساحة الحيّة داخلي تموت.. كلكم يريدني له، لم يفكر أحد منكم فيما أريده أنا.. محبتكم خنقتني، حولتني كومة أحجارٍ لا ماء فيها، لا عشب يبزغ من رحمها.. فهل يجرؤ طيرٌ على الاقتراب منها..؟! ) ص: 115
وقيامته الثانية كانت يوم مزّق رواية حبيبته ظلال، رافضاً تحويلها إلى عملٍ درامي، يعرض حياته على الملأ مذ كان نطفةً في رحم مالك حتى بات جنيناً في رحم القيامة.. ولما صنع منقوع الموت من مزقها، ومزق الصحف، ومنشورات الأحزاب التي حاولت استمالته، والكتب التي شكّلت شخصيته، ممزوجةً بالماء والنبيذ وعصير اللاجدوى، وأراد تجرّعه، ضرب شبح جده الكوب من يده، وهو يصرخ: لا يوجد منتحرون في سلالتي.. عندئذٍ رحل إلى (المسكينة ) وأحرقها، فعادت كما كانت عنقاء تقوم من رمادها.. فكانت هذه رأس القيامات، وثمرتها المرجوّة..
لكن لماذا لا تكون القيامة عند توفيقة إلا بالنار..؟
لأنها ببساطة هكذا كانت، وهكذا كان الواقع، الذي لا يحتاج كثير رمزيّةٍ.. لكن الرمزية عند الكاتبة كانت مجرّد أداة الفنان لتقديم الجمالية العالية، وليست تلك الرمزية التي استخدمها الكثير من الأدباء لأغراضٍ أخرى لها مبرراتها في حينها.. إلا أن الكاتبة وظّفت رموزها لغايةٍ جمالية وإنسانية محضة، حتى أنها لتقطع بها خيطان أرواحنا حزناً، أو تحيك منها نسيج أفراحنا أملاً.. فإذا نظرنا إلى تلك الجدلية الرائعة التي صنعتها بين إبريق الماء الذي ضربت به عين الغريب، فأعمتها عضويّاً، تلك العين العمياء فعلاً.. أليس هو الجيل الذي لم يكن يرى إلا بعينٍ واحدة، هي عين التعصب، والاعتزاز الفارغ بأمجادٍ من ورق..؟
ولننظر إلى الجدلية الأكثر جمالاً بين رمزي المزراب والحصان، فكلما نقر ماء المزراب على الحجر، كانت أم صلاح الشهيد تسمع وقع حوافر حصان ابنها، وقد عاد إلى العنقاء يملؤها صهيلاً..
( اسمع، ها.. اسمع حوافره تقرع..
ـ إنها قطرات الماء.. نامي يا امرأة..
القطرات واحدة بعد أخرى يذرفها المزراب، والحجر يردد وقعها كالأنين..
ـ استيقظ يا عساف.. إنه الحصان..)
وينفجر الصبح متشظياً كوردة نار، مع طلقةٍ من بندقية الماضي المتعصّب عساف لأنه خرج عن طاعته..
( لقد قتلته، قتلتُ الصهيل.. )
وترتفع التراتيل من المسجد، فتسأله أم الشهيد:
هل تسمع يا عساف..؟
لكن عساف لا يسمع، هذا الماضي المتصلّب لا يسمع.. لكن المستقبل مُغوٍ.. ومايزال هناك متذسع لكسر مسيرة الزمن الذي انكسر بذاته عند خروج الم.
وقبل أن نذهب بعيداً في محاولة رؤية الشخصيات النسائية عند توفيقة، لابد لنا من الإشارة إلى أنها من القليلات اللواتي استطعن الارتقاء بفكرهنّ ورؤيتهنّ عن مسألة قضية المرأة التقليدية، فلم يكن همّها عرض المشكلة من زاوية الصراع مع الرجل، بل عرضت مشكلة المرأة في صراعها الطبيعي مع العيش هي والرجل.. فحسنة مثلاً تتقبّل أن يكون لها ضرّتان، لكنها لا تتقبل أن ينكسر زوجها العساف، رغم معارضتها له في الكثير من مواقفه، خاصةً مع أولاده.. أما ظبية فلها قصة أخرى، إنها الشهيدة التي تمّ صلبنا جميعاً على دمها وحليبها المسفوح في البراري..إنها الحبيبة التي لم نعد نتعرّف على النساء إلا من خلالها.. والأم التي لم تلحق أن ترضعنا.. وكلنما حاولنا الوصول إلى ثديها، بحثاً عن لبن الفطام، لمسنا أرواحنا المهزومة، بارتعاش حبل السّرة المقطوع تواً بحجر التعصّب.. أو المشنوق بحبال الماضي المتحجّر.. فهل ظبية هي أمنا..؟!
لنترك ما تبقّى للقارئ، وهو كثير.. وسوف نعود في قراءة أخرى لنرى كيف تعاملت الكاتبة مع اللغة بكل هذا الارتقاء، والتّرفع عن المطروق، ومن ثم الرمز، وتداعياته، والشخصيات النسائية التي قدمتها بكل تلك البراعة، وكأنها الطبيعة الخالقة لكل هذا الجمال الفوّار بالوطن والإنسان.





الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
دكتورة.م انوار صفار
Admin


تاريخ التسجيل : 04/04/2010
البلد /المدينة : bahrain

بطاقة الشخصية
المجلة:

مُساهمةموضوع: رد: رواية قيامة العنقاء , دراسة    3/21/2012, 21:29

دراسة مهمة وموضوع جميل جدا شكرا للاختيار الراقي







 


br>


 


اللهم إني سامحت كل من أغتابني أو ذكرني بسوء في


غيبتي وأسألك في ذلك الأجر والمغفرة بلوغ مراتب المحسنين

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://eng-art.montadarabi.com
بثينة الزعبي
المراقب العام المميز
المراقب العام المميز


الميزان
تاريخ التسجيل : 18/02/2012
العمر : 60
البلد /المدينة : النمسا / فيينا

مُساهمةموضوع: رد: رواية قيامة العنقاء , دراسة   6/3/2013, 14:22

وهكذا لو أمعنّا النظر لوجدنا أن الكاتبة قد ابتدعت نموذجاً آخر جديداً، يتمتّع بحيوية عجيبة، بتبسيط بالغ، ومقدارٍ كبير من الحقيقة الإنسانية، التي تشبهنا جميعاً، أو تشبه رغباتنا في توقنا للارتقاء وليس أفعالنا..

طرح جميل ودراسة مشوقة لرواية قيامة العنقاء, شكراً للاختيار المميز والراقي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
رواية قيامة العنقاء , دراسة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الهندسة والفنون :: الأدبي :: القصص والروايات :: الروايات-
انتقل الى: